خليل الصفدي

228

أعيان العصر وأعوان النصر

الجزع في أسلاكها ، وغير لائق بالدراري ألا تدور في غير أفلاكها ، وليصنهم عن التبذل في اكتساب المعاش ، والتظاهر بغير ما ألفوه من زينة اللباس والرياش ، وليمنعهم من التحاكم إلا إليه ، والوقوف في التنازع إلا بين يديه ، ولا يدعهم يتبذلون فإنهم سادة من فاه أو تكلم ، وأشرف من تكرم أو تحلم ، وبقية قوم إذا غضبوا غضبة مضرية قطر السيف دماء وتثلم ، وإذا أعاروا ذرا المنابر سيدا صلّى عليهم وسلم ، وليأمرهم بالاتضاع لمن دونهم في المحافل والمجامع ، والانقياد في الخير فإن الناس يدخلون معهم في النسب الواسع ، وليستوق المباشرين في تحصيل ما لهم وصرفه ، وإنفاقه في طبقاته حين جناه وقطفه ، وليحذرهم كل الحذر من الخوض فيما شجر بين الصحابة ، ومن القول إنه كان الخطأ مع هذا ومع ذلك الإصابة ، فإنه لم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة ، والقاتل والمقتول بين علي ومعاوية من أهل الجنة ، وكل منهم اجتهد فيما ترك وأخذ ، وأنعم النظر فيما تناول ونبذ ، والمجتهد يخطئ تارة ويصيب ، وله من الأجر على كل حال نصيب ، ولكن كان الحق مع علي يدور كيف دار ، ويسير مع مقاصد كيفما سار . وأما المقالات المبتدعة ، والضلالات التي خاب من شام برقها وانتجعة ، فليزجرهم عن الخوض في باطلها الذي لا يعلم ، ويكن عليهم في مثل ذلك قاسيا ، ومن كان حازما فليقس أحيانا على من يرحم ، فقد دون أهل الباطل مقالات ابتدعوها ، وزخارف لا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم من تلك العقائد التي زرعوها . أما أمر الخلافة فإنه ثابت الأساس ، واضح القياس مأمون الالتباس ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما نهى وأمر : « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » ، وقد ماتا قبل عليّ ، فلو تولى الخلافة قبلهما لما صح إخبار هذا الخبر ، ولا كان له من المعجزات أثر ، وقد بايع عليّ أبا بكر فيما بعد مجتهدا ، ولو كانت خلافته غير صحيحة لما سوغ نكاح الحنفية حتى أولدها محمدا ، والحجج في هذا الباب كثيرة ، والأدلة فيها قاطعة عند أولي البصيرة ، وأنت أيها السيد - أعلى اللّه قدرك - أدرى بهذه الأمور ؛ لأنك جهينة أخبارها ، وحقيبة أسرارها التي توجد عند أخيارها دون أشرارها ، فبصّرهم المحجة ، ولقّنهم الحجة ، وأقل الأقسام الإمساك عما لا عاصروه ولا عالجوا جرحه المؤلم ، ولا شاهدوا فتنه التي كانت كقطع الليل المظلم . وأما العقائد فحذّرهم من الخوض في أخطار لجّتها ، والركوب على ظهر محجتها ، كالقول بأنه الكسف الساقط ، أو أنه يأتي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [ البقرة : 210 ] ، والرعد الضاغط ، ولهذا يسلمون على ما يزمجر من السحاب ، ويخالون أن الأبرق سوطه المتألق بالتهاب وأو أنه اشتبه بغيره اشتباه الغراب ، واعترفوا بهذا الباطل ودانوا ، وغلطوا جبريل في الوحي فمالوا عن الهدى ومالوا ، أو أنه الضوء من الضوء ، يعنون أنه لا فرق إلا أن أحدهما أسبق ، فافترى القائل بهذا وحاد عن الحق ولم يلحق ، أو أن العصمة للأئمة والمعصية جائزة